فخر الدين الرازي
61
شرح عيون الحكمة
فثبت : أن العلم بالماهية موقوف على العلم بكل واحد من أجزائها . وظاهر أن العلم بكل واحد من أجزائها لا يتوقف على العلم بتلك الماهية . فثبت : أن العلم بجزء الماهية متقدم على العلم بالماهية في الوجود الذهني والعدم الذهني . وذلك هو المطلوب . وهنا سؤالان : السؤال الأول : انكم قلتم : وجود الماهية موقوف على وجود أجزاء الماهية ، لكن أجزاء الماهية هي عين الماهية ، فيلزم كون الماهية موقوفة على نفسها . وذلك محال . السؤال الثاني : انكم ذكرتم أن العلم بالماهية موقوف على العلم بأجزاء الماهية . وهذا باطل من وجوه : أحدها : أن الجسم عند المتكلمين مؤلف من الأجزاء التي لا تتجزا . وعند الفلاسفة مؤلف من الهيولى والصورة ، ثم إن جمهور الخلق يعرفون كون الجسم حجما ممتدا في الجهات ، مع أنه لا يخطر ببالهم كونه مؤلفا من الأجزاء التي لا تتجزأ ، ولا كونه مؤلفا من الهيولى والصورة ، فان التزم ملتزم بأن الجسم في نفسه حقيقة واحدة ، وأنها غير مركبة من الهيولى والصورة ، فلا شك أن بدن الانسان مركب من الأعضاء البسيطة . ثم إن الواحد منا قد يعلم بدن نفسه ، وان كان لا يعرف الأعضاء البسيطة التي منها تألف ذلك ذلك البدن . وقد يعرف « الكرياس » الواحد مع أنه لا يعرف الخيوط التي منها تألف ذلك « الكرياس » وقد يعرف الجدار المعين مع أنه لا يعرف اللبنات التي منها تركب ذلك الجدار . وكل ذلك نقض على قولكم : العلم بالمركب مشروط بالعلم بكل واحد من مفرداته . وثانيها : أن الفلاسفة يقولون : ماهية الانسان هي أنه جوهر ذو أبعاد ثلاثة : مغتذ ، نام ، مولد ، حساس ، متحرك بالإرادة ، ناطق . بل إن كل انسان يعلم كونه « انسان » علما ضروريا ، مع أنه لا يكون عالما بكونه مركبا من هذه التفاصيل . وذلك يدل على أن العلم بالماهية لا يكون مشروطا بالعلم بأجزائها .